Page 146 - web
P. 146
مقالات وآراء
وقوعها ،وإنما أصبح أداًًة للوقاية منها قبل وقوعها.
إن المجتمع الذي ينجح ومن النماذج الحديثة تطور الإعلام التوعوي لمواجهة الجرائم
في بناء إعلام ناضج ،قادر الإلكترونية؛ فإن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني تنفذ حملاٍ ٍت
على توعيِ ِة مواطنيه دون تتناول موضوعاٍ ٍت؛ مثل أمن الحسابات ،وأمن البريد الإلكتروني،
أن يستغل مخاوفهم،
والتصيد الإلكتروني ،والتحديثات الأمنية ،والرقابة الأبوية ،كما
وتوجيِ ِههم نحو السلوك والعرو ََض والتصامي ََم، توعويًًة توفر مواََّد
السوي دون أن يفرض اتلنشصميََلة.الفيديوهاِ ِت، والرسائََل التقديميََة،
عليهم وصايً ًة ،سيكون
ومن الأمثلة الحديثة حملة «نعود للمدرسة من باب آمن» التي
بلا شك أقل عرضً ًة
أطلقت نسختها الثانية في أغسطس 2026بالتعاون مع وزارة
للانحراف
التعليم ،وركزت على حماية الطلاب وأولياء الأمور من المخاطر
السيبرانية المتجددة.
إن إعلا ًًما يعالج الظواهر الإجرامية في سياقها الاجتماعي
والاقتصادي ،ويناقش سبل الحد من مقدماتها ،ويستمع إلى
آراء الضحايا ،يمكنه أن ُُيْْحِ ِدث فار ًًقا حقيقًًّيا في خفض معدلات
الجريمة على المدى البعيد؛ لأنه يزرع في المواطن بذور الرفض
للجريمة ،وليس مجرد الخوف من عقوبتها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإعلام لا يعمل في فراغ ،ولا
يمكنه وحده أن يحقق نتائََج ملموسًًة في مكافحة الجريمة
دون تعاون وثيق مع المؤسسات الرسمية ،وقد أصبح واضًًحا أن
الشراكات الإستراتيجية بين الإعلام وهذه المؤسساتُُ ،تشِ ِّكل
ركيزًًة أساسيًًة لأِِّي إستراتيجية وطنية لمكافحة الجريمة.
الوإثاضررةور اةلتيحمُُاتيِ ِدُُّةر في المعرفة، الجمهور نشر الخبر ودقته ،وحق ويتجلى ذلك في بعض النماذج التي طبقتها دول عربية؛ حيث
الصراع بين وكذلك خصوصية التحقيقات،
أنشئت مراكز إعلامية وأمنية متخصصة تعمل على إنتاج محتوى
المشاهدات ،والأخلاقيات التي تفرض احترام الضحايا والمتهمين توعوي يتفق مع سياسات الدولة ،ويحترم خصوصية التحقيقات،
ُُأُ ُطر على حد سواء. ويحافظ على هيبة القضاء ،ويقدم المعلومة الدقيقة في
ولا يمكن حل
تنظيمية وضع عن بمعزل الإشكاليات هذه الوقت المناسب ،دون إثارة للذعر ،أو تضليل للرأي العام.
وأخلاقية واضحة للإعلام الجنائي؛ سواء من خلال تشريعات تحدد وهذه المراكز لا تكتفي بإصدار البيانات ،وتنظيم المؤتمرات
ما يمكن نشره ،وما يجب التوقف عنده في القضايا الجارية ،أو الصحفية ،بل تمتد إلى إنتاج البرامج الوثائقية ،والأفلام القصيرة،
من خلال سلوك مهني يلتزم به الإعلاميون ،ويتدربون عليه ،بحيث والمسلسلات الدرامية الهادفة ،التي تستعين بكتاب ومخرجين
يصبح التعامل مع الجريمة فًًّنا وحرفًًة ُُتد ََرس وُُتْْتََقن ،لا مجرد
محترفين؛ لتقديم محتوى يجمع بين الإمتاع والفائدة ،بحيث تصبح
سباق مع الزمن؛ للحصول على خبر حصري. رسائل الوقاية جزًًءا من الثقافة اليومية للمواطن ،لا مجرد مواد
كما أن المؤسسات الإعلامية مطاََلبة بأن ُُتطِِّور من سياساتها
إعلامية عابرة.
التحريرية تجاه الجريمة ،بحيث لا تكتفي بنقل الحدث ،بل تضيف وقد أثبتت التجارب أن الدراما حين تتعامل مع الجريمة
إليه قيمًًة تفسيريًًة وتحليليًًة ،وتوفر للجمهور سيا ًًقا يساعده بمسؤولية ،وتجعل المجرم نموذً ًجا للفشل والمعاناة ،لا
على الفهم بداًلا من الانفعال ،وتقدم بدائََل عمليًًة للتعامل مع نموذً ًجا للبطولة والإعجاب ،وتظهر العواقب الوخيمة للجريمة
على الجاني ،وضحيتها ،وأسرته ،فإنها تترك أثًًرا عميًًقا في نفوس
الخوف من الجريمة ،بداًلا من تضخيمه ،واستغلاله. المشاهدين ،يفوق أحيا ًًنا ما يمكن أن تحققه الحملات الإعلانية،
فالمواطن اليوم لم ََيُُعْْد بحاجة إلى من يخيفه أكثر مما هو
خائف ،بل يحتاج إلى من يوضح له المخاطر الحقيقية التي تهدده، أو الخطابات المباشرة.
وُُيعِِّلمه كيف يتجنبها ،ويطمئنه بأن الدولة والمؤسسات تعمل
لحمايته ،ويحفزه؛ ليكون جزًًءا من الحل ،لا مجرد متفرج سلبي ،أو لكن هذه الشراكة بين الإعلام والمؤسسات الأمنية ،تظل
مهددًًة بالعديد من التحديات ،على رأسها الصراع بين سرعة
146

